

بقلم: محمد عبده
العدل شيء جميل ومعنى عظيم، ورغم أن الجميع يتمنونه ويطمحون إليه ويرفضون الظلم بكل ألوانه وأشكاله، إلا أنه يقع بين الناس، والجَوْر أصبح سمةً في كثيرٍ من تعاملاتهم.
والعدل هو الإنصاف، وإعطاء المرء ما له وأخذ ما عليه. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر بالعدل وتحثُّ عليه، وتدعو إلى التمسك به.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (النحل: من الآية 90).
ويقول تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية 58).
والعدل اسم من أسماء الله الحسنى وصفة من صفاته سبحانه.
والعدل له قدره ومنزلته عند الله تعالى؛ فأهل العدل والقسط يحبهم ويودهم ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الحجرات: من الآية 9)، وإذا تحقق العدل والإنصاف بين الناس شاع الأمان وانتشرت الطمأنينة بينهم؛ فالعدل والإنصاف يوفران الأمن والأمان للضعفاء والفقراء الذين لا ناصرَ لهم إلا الله، وتُشعرهم بالعزة والفخر، وتزيل من نفوسهم الإحساس بالنقص.
والعدل والإنصاف يمنعان الظالم عن ظلمه، ويُحيلان بين الطمَّاع وجشعه، ويحفظان حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم فتظل مُصانةً محفوظة
الإسلام يدعو للإنصاف لإقامة المجتمع السليم:
المنصف هو مَن يعرف الحقَّ على نفسه ويوفيه من غير طلب.. وقد دعا الإسلام إلى تمام الإنصاف، فقال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)﴾ (الإسراء)، وأي إنصاف للعباد أعظم من أن الله تعالى جعل الإنسان حسيبًا على نفسه، فقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا(13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾ (الإسراء).
وَقَدْ قال عَمَّار بْن يَاسِر رضي الله عنه: "ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَان: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسك، وَبَذْل السَّلام لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاق مِنْ الْإِقْتَار" (البخاري).

لماذا الإنصاف من أخلاق الكبار؟
لأن النفس قد تميل إلى الهوى والظلم، وتحتاج إلى قوةٍ كبيرةٍ لمنعها من ذلك، ولا يقدر على ذلك إلا الكبار أصحاب النفوس الكبيرة الذين ملكوا أنفسهم وتحكَّموا فيها.
ولأن الإنصاف في بعض الأحيان قد يكون مطلوبًا من نفسك التي قد تُضيِّع حقوق الآخرين أو تجور على ممتلكاتهم، وهذا أيضًا ما لا يقدر عليه إلا الكبار الذين يمتلكون الشجاعة والقوة أن ينصفوا الناس من أنفسهم.
ولأن للإنصاف والعدل منزلة عظيمة ودرجة عالية لا يُرتقى إليها بسهولة؛ فالعادل في ظل الله يوم لا ظلَّ إلا ظله، وهذه المنزلة بالتأكيد لا يصل إليها إلا الكبار الذين أقاموا العدل والإنصاف على نفوسهم، وأخذوا أنفسهم بالعزيمة.
إنصاف النفس وظلمها
الكبار أول ما يُعطون من حقوق ويؤدون من أمانات تكون تجاه نفوسهم، والإنصاف من النفس هو المحافظة عليها طائعةً لله، ملتزمةً بأوامره منتهيةً عن نواهيه؛ ذلك أن الكبار يعلمون أن ظلم النفس يورد المهالك ويَحرِمها الجنة ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 57).
الكبار يعلمون أن ظلم النفس قد يصل بالإنسان إلى غضب الله ومقته وإنزال العقوبة واستحقاقها والتعجيل بها في الدنيا ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40).
العدل في الغضب والرضا
الكبار تستوي أحكامهم حال الرضا وحال السخط؛ فالرضا لا يدفعهم إلى المجاملة، والسخط لا يدفعهم إلى الانتقام أو الظلم، وتلك هي أعلى مراتب العدل؛ لأنها اختبار حقيقي للنفس وقدرتها على كبح جماحها؛ لأن الإنسان قلَّما يقدر على التحكم في نفسه، خاصةً إذا تمكَّن من خصمه؛ ولهذا كان العدل في ذلك الوقت من المنجيات، فقد أخبر- صلى الله عليه وسلم- أن من المنجيات "العدل في الغضب والرضا" (سلسلة الأحاديث 4/416 الحديث 1802 "حسن").
الإنصاف حتى مع العدو
إن الإنصافَ فضيلةٌ نفسيَّةٌ تنشأ من طهارة النفس، فإن المرءَ إذا رزقه اللهُ صفاءَ نفسٍ أورثه ذلك الإنصافَ للناس من نفسه؛ ولذلك عُنِي الإسلامُ عنايةً تامةً بعلاجِ النفسِ الإنسانية من الهوى، وتطهيرها من الميْل والجَوْر، وتربيتها على الكمال والفضيلة والإنصاف، وهذا…….. مايجب ان نستقيم عليه وندعو الناس اليه .
ومن أقوال الشهيد حسن البنا رحمه الله: (يقولون: إن العدل ليس في نص القانون، ولكنه في نفس القاضي، وقد تأتي بالقانون الكامل العادل إلى القاضي ذي الهوى والغاية فيطبقه تطبيقًا جائرًا لا عَدْلَ معه، وقد تأتي بالقانون الناقص والجائر إلى القاضي الفاضل العادل البعيد عن الأهواء والغايات، فيطبقه تطبيقًا فاضلاً عادلاً فيه كلُّ الخير والبر والرحمة والإنصاف).
ومن الإنصاف إنصاف الأعداء والخصوم:
وجَّه الحقُّ تبارك وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم إلى مطالبة الآخرين بالتعامل معه على قاعدة الإنصاف، فقال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي هلموا إلى كلمة فيها إنصافٌ من بعضنا لبعض، ولا مَيْلَ فيها لأحدٍ على صاحبه، وهي ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: من الآية 64). وأي إنصافٍ أسمى من أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأعدائه: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25)﴾ (سبأ)، فعبَّر عن الهفوات التي لا يخلو عنها مؤمنٌ بالإجرام، وعبَّر عن جريمة الكفر ونحوه بالعمل!.
وكان الأحنف بن قيس يقول: (ما عرضتُ النَّصَفة على أحدٍ فقبلها إلا تداخلني منه هَيْبة، ولا ردَّها أحدٌ إلا طمعتُ فيه).. وكان يقال: (ينبغي للملك أن يتحصن من جيوشه بالإنصاف).
البعض يظنون أن العدل لا يُقام إلا مع الصديق دون العدو، ومع القريب دون الغريب، أو المسلم دون غيره، فيستحلوِّن أموال غير المُسلمين أو الجَوْر عليهم أو التعدي على خصوصياتهم بحجة أنهم أهل كفر، بل إن البعض من المتدينين الملتزمين قد يظلم بوقوفه بجوار أخيه على الطريق، ولو كان ظالمًا على الرجل العادي بحجة عدم التدين أو الفجور لدى الطرف الآخر.
أما الكبار فيُقيمون العدل والإنصاف على العدو قبل الصديق، ويعدلون بينهما كما يعدلون حال الرضا والسخط، مسترشدين في ذلك بالتوجيه القرآني ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة من الآية:
.

النصر والعدل
الكبار على يقين بأن النصر لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع ما لم يواكب السعي إليه تحقيق العدل والإنصاف في الصف المسلم، تحقيق العدل فكرًا وسلوكًا، شعارًا وواقعًا؛ فالأمة لن يشفع لها إسلامها في تحقيق المعية الإلهية إذا كان الظلم سائدًا بين أفرادها وفي مؤسساتها.
تعجَّبتُ يومًا من حال الأمة ولماذا تأخر النصر في النزول رغم كل ما يُبذل من جهود؟!، فبادرني مُعلمي بسؤال: ماذا لو كنت مكان بائع الخبز؟!، وقد كان الخبز في ذلك الحين بحق يُمثل أزمةً في الحصول عليه، فلكي تحصل على ما يكفيك ويكفي أسرتك لا أكون مبالغًا إذا قلت إنك قد تقف بالساعات وقد تحصل على ما تريد أو لا تحصل!!.
استكمل معلمي السؤال قائلاً: ماذا لو كنت مكان البائع وجاءك أحد أقاربك وسط هذا الزحام الشديد؟؛ هل ستُبديه على غيره أم ستلتزم بالدور؟.
فوجدت ميلاً واقعًا في نفسي أني سأحاول مجاملته وأن أكفيه مئونة هذا التعب، وقد أدخله إلى داخل المخبز لإراحته من الوقوف في الشمس أو الطابور.
وعلى هذا قِسْ في جميع المؤسسات والهيئات؛ إن المجاملة لا تتوقف، والتعدي على حقوق الغير لا ينتهي.
لهذا فالكبار هم الذين يُقيمون الحق والعدل على أقاربهم وغير أقاربهم، وعلى هذه الحقيقة يؤكد ابن تيمية- رحمه الله-: "إن الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنةً" (1).
خوف الكبار

الكبار لا يترددون في تطبيق العدل وإقامة الحق؛ لأن رغبتهم في نيل ثواب إقامة العدل يوازي خوفهم من الوقوع في عقاب الظالمين أو الاصطدام بدعوة المظلومين؛ فمَن له طاقة حتى يتجرَّأ على معاداة الله بظلمه للناس "اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ" (2).
الكبار يخافون التحذير الإلهي ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42).
بيد أن التحذير من عاقبة الظلم ومصير الظالمين والانتقام الإلهي منهم كان حائلاً وسدًّا منيعًا يحول بين الكبار وظلمهم للآخرين، وكيف لا وقد جاءت الأحاديث تؤكد على ذلك؟!.
يقول- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله لُيملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته" (3)، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (هود: 102).

الواسطة
الكبار لا يعترفون بالواسطة إذا كانت ستُجير على حقوق الآخرين وتقضي على أحلام الطامحين الذين يعتمدون على أنفسهم وقدراتهم لا نفوذهم وسلطانهم.. الواسطة التي مَنعت البعض من دخول الكليات التي يرغبون بها، والتي حرمت الأكْفاء من تولي الوظائف التي يستحقونها.. الواسطة التي استشرت في المجتمعات وباتت تؤرقه وتنشر الضغينة، وتبثُّ الكراهية في النفوس.
جاء أسامة بن زيد يستشفع في المرأة المخزومية التي سرقت وعزم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على قطع يدها، فقال له:"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ"، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ.. وَايْمُ اللهِ.. لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا" (4).

ضياع الأمانة
الكبار يحفظون الأمانة ويُراعون الله فيما ائتمنوا عليه، ومن صور ذلك أنهم يضعون الرجل المناسب في المكان المناسب؛ فمن أكبر الظلم أن يُسند إلى الضعيف إمارة، أو غير الكفء مسئولية؛ فأحيانًا ما يُولَّى الرجل لكونه أحد أقارب من بيده القرار وهو غير مؤهل، فيظلم الناس بجهله، ويضيِّع حقوقهم بعدم كفاءته، أما الكبار فهم يصارحون الضعفاء ولا يُجاملونهم خوفًا عليهم من المساءلة، وحفظًا للأمانة من الضياع.
يَقُولُ أَبَو ذَرٍّ: نَاجَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ.. أَمِّرْنِي. فَقَالَ: "إِنَّهَا أَمَانَةٌ وَخِزْيٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" (5).

من علامات الساعة
إنَّ من علامات الساعة أن يُظلم الناس وتضيع الأمانة بينهم بإسناد الولاية لمَن لا قدرةَ له عليها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟. فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ فَقَالَ: بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ؟". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟. قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ" (6).
العدل مع الأبناء
الكبار يعدلون بين أبنائهم ولا يُفرِّقون بينهم في العطايا والهبات؛ حتى لا يكره أحدهم الآخر، وحتى لا توقد بينهم نار العداوة والبغضاء كما حدث بين يوسف وإخوته.
جاء في الحديث عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟" قَالَ: لا. قَالَ: "فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ" قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ" (7).

العدل في الميزان
الكبار يعدلون في ميزانهم ويدققون المكيال ولا يبخسون الناس أشياءهم، إن الناس قد لا يُلقون بالاً عندما يُطففون ميزانهم ويُنقصون حقوق الناس، أما الكبار فلا يأخذون أكثر من حقهم إذا اشتروا، ولا يُنقصون الناس إذا باعوا لهم؛ فهم يسمعون قول ربهم ويُرددونه﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (المطففين) وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9).

الإنصاف في الحكم على الآخرين
إن من أشد الظلم الذي يحدث أحيانًا بين الناس هو عدم إنصاف بعضهم البعض عند الحكم؛ فالمتنازعان قلَّما يذكر أحدهما محاسن خصمه، بل تكون المعائب متصدرة لأحاديث كلا الطرفين.
إن تدخُّل الهوى والميل القلبي أثناء الحكم على الناس أو تقييمهم، أو إبداء الآراء حولهم لَمِن أشد الأشياء التي تُفسد الحكم وتخرجه عن نزاهته وحيادته.
الكبار ينطلقون في حكمهم على الناس من فهْم راقٍ يعكس نضوجهم الفكري والفقهي؛ فالكبار متيقنون أنه قلَّما يسلم إنسان من خطأٍ صغيرٍ كان أم كبيرًا، ومن هذا المنطلق فالخطأ لا يمحو الإحسان السابق أو المعروف الذي مضى.

فيهم وفيهم
الكبار لا يصدرون أحكامًا عامةً على الآخرين أو حتى على شخصٍ واحد بالكلية؛ فكل مجموعةٍ من الأفراد أو أي تجمِّعٍ إنساني فيه وفيه؛ فيه الحسن وفيه القبيح، فيه الظالم وفيه العادل.
لذا فالكبار ينأون عن التعميم في أحكامهم؛ خشيةَ أن يُلحقوا النقيصة بالأبرياء الشرفاء، وعلى هذا كان القرآن يُربِّي أفراد هذه الأمة.
انظر معي أخي القارئ إلى قوله تعالى في معرض حديثه عن أهل الكتاب، وهم قوم على غير الملة، ويمكننا وصفهم بالأعداء.. انظر معي كيف وصفهم القرآن: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 75).
إن القرآن لم ينفِ أن منهم الأوفياء الأمناء كما أن منهم المماطلون، وهك
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ